الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

81

مناهل العرفان في علوم القرآن

إن ذلك ليس بدعا فيما نرى من آثار الأدباء والبلغاء ، بل نحن نلحظ أن الأديب الواحد يعلو كلامه الصادر عن تأمل وعناية وروية ، علوّا كبيرا عن كلامه المرسل على البديهة ، حتى كأنهما لكاتبين اثنين ، بينهما بعد ما بين المشرقين . ( والجواب الأول ) أن هذه الشبهة الجديدة مبنيّة على قياس فاسد ، وهو تشبيه أدباء ذاك العصر الزاهر الذي نزل فيه القرآن وسلمت فيه السليقة العربية ، بأدباء هذا العصر المولّدين الذين فسدت لغتهم ، وتبلبلت ألسنتهم . وشتّان ما بين الطبقتين ، ويا بعد ما بين العصرين ! ! . « أيّها المنكح الثريّا سهيلا * عمرك اللّه كيف يلتقيان ؟ هي شاميّة إذا ما استقلّت * وسهيل إذا استقلّ يمان » فالتفاوت البعيد بين الكلام المرسل والكلام المحبّر ، لم يظهر إلا منذ فسد اللّسان العربي ، وتطرّقت العجمة إلى المولّدين من العرب وأشباههم . أما أولئك العرب الخلّص الذين كانوا يتكلمون العربية بالسليقة ، فلم يك منهج أحدهم البيانىّ مختلفا هذا الاختلاف الكبير ، تبعا للإرسال والتحبير . بل العربىّ القحّ نهجه في الكلام نهج واحد ، هو نهج السليقة الصافية والطبيعة السليمة . ولم يكن التحبير ليذهب به مذهب الذبذبة التي تجعل له أسلوبين متباينين في كلامه ، بل قصاراه في تحبير ، أن يحيط بأطراف موضوعه دون أن يندّ عنه مقصد من مقاصده ، ودون أن يخرج عن أسلوبه الذي ينبع من نفسه وتفيض به سجيّته العرباء ، ذلك الأسلوب الذي يتعب أهل الفنّ منا أنفسهم في محاكاته وهيهات أن يبلغوا إلّا بعد طول عناء . على أن معاناة ذلك العربي القح إذا عانى التنميق والتزويق ، لم تكن لتزيد كلامه روعة وحسنا . بل كانت تنزل به بمقدار ما يظن أحدنا أنها تصعد فيه . ولهذا كان العرب يعافون من الكلام ما ظهرت فيه آثار الصنعة والتكلّف ويعدون ذلك من التفاصح النازل إلى مهواة العىّ والتنطع ، كما كانوا مأخوذين بالجيّد السّلس ، وبالسهل الممتنع